ابن حزم

47

رسائل ابن حزم الأندلسي

الاستنتاج الذي وصل إليه ابن حزم إنما توصل إليه - مستقلا - من كثرة تقليبه للتجارب الاستقرائية التي كان يواجهه بها أصحاب المذاهب الأخرى . وقد اتهم ابن حزم بعض معاصريه بأنه لم يفهم منطق أرسطاطاليس ، فقال فيه صاعد : « وخالف أرسطاطاليس واضع هذا العلم في بعض أصوله مخالفة من لم يفهم غرضه ولا ارتاض في كتابه ، فكتابه من أجل هذا كثير الغلط بيّن السقط » « 1 » ؛ وردد ابن حيان المؤرخ الأندلسي هذه التهمة حين قال : « كان أبو محمد حامل فنون من حديث وفقه وجدل ونسب ، وما يتعلق بأذيال الأدب ، مع المشاركة في كثير من أنواع التعاليم القديمة من المنطق والفلسفة ، وله في بعض تلك الفنون كتب كثيرة لم يخل فيها من الغلط والسقط ، لجرأته في التسور على الفنون ، لا سيما المنطق ، فإنهم زعموا أنه زلّ هنالك ، وضل في سلوك تلك المسالك ، وخالف أرسطاطاليس واضعه ، مخالفة من لم يفهم عرضه ولا ارتاض في كتبه » « 2 » . أما أنه خالف أرسطاطاليس فشئ واضح في كتابه ، وأما أنه لم يفهم غرضه ، فذلك هو الشيء الذي حاولنا رفضه آنفا ، فقد يختلف غرض ابن حزم عن غرض أرسطاطاليس في هذا ، دون أن يتهم بأنه لم يفهم غرض المعلم الأول . أما إن كان ما يقوله صاعد بأن ابن حزم وقع في الخطأ بمعنى أنه أجرى اجتهادات « لا منطقية » في محاولته للتبسيط ، فشئ لا يمكن الحكم عليه إلا بعد فحص دقيق للمصطلح المنطقي والتمثيلات التي جاء بها في كتابه ومقارنتها بما لدى أرسطاطاليس ، فقد اعتمد ابن حزم على منطلقات لم تكن موجودة لدى أرسطاطاليس ، وأباح لنفسه القيام بأمور لم يجدها للمعلم الأول ، فمن ذلك : ( 1 ) أنه صرّح بأنه لا يتقيد في هذا أو ذاك من الآراء بقول الأوائل ( وفيهم أرسطاطاليس نفسه ) ، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل ، وهذا أمر يدل على استقلال في النظر ، لا على أنه لم يفهم غرض أرسطاطاليس . ( 2 ) صدر في مفهوماته عن مقدمات دينية لم تكن لدى أرسطاطاليس ، وهو شديد الشغف بالتقريب بين المنطق والشريعة ، وجعل الأول في خدمة الثانية ( وهذا قد

--> ( 1 ) طبقات الأمم : 76 . ( 2 ) الذخيرة لابن بسام 1 : 167 ونص ابن حيان هذا نقله ابن سعيد في المغرب والذهبي في سير أعلام النبلاء وفي تذكرة الحفاظ وفي تاريخ الإسلام كما نقله الصفدي في الوافي بالوفيات .